الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

481

انوار الأصول

يحصل الغرض ، ومعه يكون الأمر بالأكثر لغواً لا يمكن صدوره من الحكيم . وقد أجاب عنه المحقّق الخراساني رحمه الله ، بأنّه يمكن أن يفرض أنّ المحصّل للغرض فيما إذا وجد الأكثر هو الأكثر لا الأقلّ الذي في ضمنه ، أي كان لجميع أجزائه دخل في حصول الغرض ، والمحصّل له فيما إذا وجد الأقلّ هو الأقلّ كذلك ، أي كان كلّ منهما بحدّه محصّلًا للغرض ، وعليه فلا محيص عن التخيير بينهما ، إذ تخصيص الأقلّ بالوجوب حينئذٍ يكون بلا مخصّص . وقد أجيب عنه : بأنّ هذا خارج عن مفروض الكلام وهو التخيير بين الأقلّ والأكثر ، وذلك لأنّ ما فرضه وإن كان تخييراً بينهما صورة إلّا أنّه بحسب الواقع تخيير بين المتباينين ، وذلك لفرض أنّ الماهية « بشرط لا » تباين الماهية « بشرط شيء » . أقول : الصحيح هو التفصيل بين ما إذا يحصل الأقلّ ضمن الأكثر دفعة واحدة كما إذا أردنا إلقاء الميّت الغريق ( الذي لا يمكن إيصاله إلى ساحل البحر ) إلى قعر الماء بشيء ثقيل ، فتخيّرنا عقلًا بين أن يكون وزن ذلك الشيء الثقيل عشرين كيلو مثلًا أو أربعين كيلو ، وبين ما إذا يحصل الأقلّ ضمن الأكثر تدريجاً كما في مثال الصّلاة ، فإنّ إشكال اللغويّة المزبورة لا تتصوّر في القسم الأوّل لأنّ الغرض فيه لا يحصل بخصوص الأقلّ إذا اختار المكلّف الأكثر بل يكون المحصّل للغرض حينئذٍ تمام الأكثر ( وفي المثال تمام الأربعين كيلو ) فيكون التخيير بين الأقلّ والأكثر فيه بلا إشكال ، نعم أنّها تتصوّر في القسم الثاني ، ولا يمكن التفصّي عنها بما ذكره المحقّق الخراساني رحمه الله لنفس ما ذكرناه من الجواب . هذا في التخيير العقلي ، وكذلك في التخيير الشرعي ، فلا إشكال فيه أيضاً فيما إذا أتى بالأكثر دفعةً كما إذا أمر المولى بإدخال ثلاثة رجال أو خمسة في الدار فأدخل العبد الخمسة دفعةً . وبما ذكرنا يظهر أنّ التخيير بين الواحد والثلاث في مثل التسبيحات الأربعة ممّا لا يمكن المساعدة عليه ، لأنّ الأقلّ يتحقّق ضمن الأكثر تدريجاً ، فلا بدّ أن يقال أنّ الواجب فيها هو الأقلّ ، وأمّا الأكثر وهو التسبيح مرّة ثانية وثالثة فيحمل على الاستحباب . وبما ذكرنا ظهر الجواب عن الشبهات التي طرحناها في أوّل البحث : أمّا الأولى منها : وهي أنّ الوجوب ينافي جواز الترك - فجوابها أنّا لا نقول بوجوب كلّ من الطرفين ، بل الواجب عندنا عنوان أحدهما ، وهو لا يجوز تركه بكلا مصداقيه . وأمّا الثانيّة منها : وهي أنّ الطلب التشريعي وزانه وزان الطلب التكويني فلا يمكن تعلّقه